المقريزي
61
رسائل المقريزي
قال : فتواكلنا الكلام ، ثم تكلم أحدنا فقال : يا رسول الله ، أنت أبرأ الناس ، وقد بلغنا النكاح فجئنا لتأمرنا على بعض هذه الصدقات فنؤدى إليك كما يؤدى الناس ونصيب كما يصيبون . فسكت طويلا حتى أردنا أن نكلمه ، وجعلت زينب تلمع « 1 » إلينا من وراء الحجاب أن لا تكلماه ، قال : ثم قال : إن الصدقة لا تنبغى لآل محمد ، إنما هي أوساخ الناس « 2 » ادعوا لي محمية ( وكان على الخمس ) ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب فجاءه فقال لمحمية : أنكح هذا الغلام ابنتك للفضل بن العباس ، فأنكحه ، وقال لنوفل : أنكح هذا الغلام ابنتك لي ، فأنكحني ، وقال لمحمية : أصدق عنهما من الخمس كذا وكذا « 3 » . فهذا - أعزك الله - وإن كان إنما فيه منع بني هاشم من تناول الصدقة لأنها محرمة عليهم ، فإن رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم إنما كانت أعماله التي يستعمل عليها عماله على قسمين : إما للحرب ، أو على الصدقات ، فمنع رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم بني هاشم من العمل على الصدقة بنصيب العامل وهو الصحيح : أنهم لا يستعملون عليها تنزيها لهم ولبنى المطلب عن أوساخ الناس لكرامتهم ، وقد كان غير واحد من فضلاء الصحابة رضي الله عنهم يعلمون أن البيت أرفع قدرا عند الله من أن يبتليهم بعمال الدنيا ، منهم : عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما ، لما خرج الحسين بن علي رضي الله عنهما يريد العراق وقد كتب إليه شيعتهم بالبيعة وحثوه على مسيرة إليهم ليقوم بأمر الأمة ، بدل يزيد بن معاوية ، لحقه عبد الله على مسيرة ليلتين ، وقال : أين تريد ؟ قال : العراق . قال : لا تأتهم هذه . قال الحسين : هذه كتبهم وبيعتهم « 4 » ، فقال
--> ( 1 ) في المخطوط : تلمح . تلمع : تشير بيدها أو بثوبها ( 7 / 179 ) شرح مسلم . ( 2 ) أوساخ الناس : أي أنها تطهير لأموالهم وأنفسهم كما قال تعالى : خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها فهي كغسالة الأوساخ . المصدر السابق . ( 3 ) رواه مسلم في ك : الزكاة ب / 51 ترك استعمال آل النبي على الصدقة ( 167 - 1072 ) وأحمد في مسنده ( 2 / 279 ) ، والطحاوي في « معاني الآثار » ( 3 / 300 ) ، وأبو عبيد في الأموال ( ص 1414 ) وحميد بن زنجويه في الأموال ( 2 / 725 ) . ( 4 ) وكانوا قد بعثوا إليه برسائل وكتب أنهم فرحوا بموت معاوية ، وأنهم ينالون منه ، ويتكلمون في دولته ، وأنهم لما يبايعوا أحدا إلى الآن ، وأنهم ينتظرون قدومك ليقدموك عليهم ، وينصبونه خليفة للمسلمين ، وأن معهم اثنى عشر ألفا بايعوه على الموت . انظر صفة هذه الرسائل في تاريخ الطبري ( 6 / 196 ، 197 ) ، البداية والنهاية ( 8 / 154 ) وقد صدق الفرزدق الشاعر حين قال : كانت قلوب الناس معه ، وسيوفهم مع بنى أمية ، وهذا ما فعله أهل العراق فقد حرضوه بجهلهم ، وغرورهم ، ثم خذلوه بجبن ونذالة وغدر .